وهبي الحريري الرفاعي

"آخر الكلاسيكيين"

“آخر الكلاسيكيين”
1914 – 1994

وهبي الحريري الرفاعي هو مهندس وفنان عالمي مشهور، تمتد شجرة نسبه الموثّقة لأكثر من أربعة عشر قرناً. توفي في حلب يوم 16 آب عام 1994 في الساعة 9:45 مساءً.

من أسلافه الرائعين “القاسم بن علي الحريري” الذي ألّف في القرن الحادي عشر المقامات التي عرفت باسم “مقامات الحريري”، و”علي الحريري الرفاعي” العالم الديني في القرن الثالث عشر، و “مصطفى الحريري الرفاعي” عالم الدين والموسيقي في القرن الثامن عشر، و “عبد الرحمن الحريري الرفاعي” الخطاط والفلكي في القرن التاسع عشر.

ونظراً لموهبته الفنية الإستثنائية، ودراسته الأكاديمية الكلاسيكية الشاملة، واهتمامه الشاغل بالعالم من حوله فقد دعي “آخر الكلاسيكيين”. وبعد صراع مع داء السرطان لأكثر من أربع سنين توفي بينما كان يزور مدينته حلب في طريق عودته من الرياض في المملكة العربية السعودية إلى مقر إقامته في واشنطن دي سي في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولد عام 1914 في المْدينة القديمة بحلب، وابتدأ الرسم والنحت وهو صغير. وبملاحظة موهبته غير العادية، فقد عزز والده تطوره الفني الإستثنائي وشجعه في عام 1932 ليكون أول شخص معروف من الشرق الأوسط يسافر إلى إيطاليا لدراسة الفن بشكل أكاديمي.

في عام 1937، تخرج من Accademia Reale di Belle Arti ومن Instituto di dante Alighieri في روما (إيطاليا) وعاد إلى سوريا ليمارس الفن ويعلّمه. وهناك تم تعيينه مفتشاً عاماً للمواقع والمعالم التاريخية وكان مسؤولاً عن الجهود المبكرة للحفاظ على مدينة “تدمر” التاريخية.

وفي عام 1948 وبصحبة زوجته “وداد مرعشي” وابنه القاصر “مخلص” سافر إلى باريس مدفوعاً بحافزه الفني من أجل دراسة العمارة في مدرسة الفنون الجميلة المشهورة عالمياً في اللوفر Ecole des Beaux Arts (Louvre) وقد نال وقتها مرتبة دكتوراة الشرف D.P.L.G كما منح ميدالية التميز في الفنون الجميلة التي طالما تمناها الكثيرون.

وبعد أن عمل في سوريا لعدة سنوات، انتقل إلى المملكة العربية السعودية في عام 1964 وانهمك بشكل فعال في توثيق تراث الجزيرة العربية.

في عام 1981، وبعد فترة كثيفة من البحث والرسم في مواقع امتدت على كامل المملكة، وبعون مفعم بالنشاط من ابنه “مخلص الحريري” نشرت في فلورنسة بإيطاليا نسخة مطابق من ثلاثة وثلاثين من رسوماته الرائعة بالقلم الرصاص بعنوان “العمارة التقليدية في المملكة العربية السعودية”.

إن نشر هذا الكتاب الكلاسيكي الرائع والجامع لفنون الرسم اليدوي قد جلب لعمله اعترافاً بقيمته الفنية في كل أنحاء العالم، ونتج عن ذلك معرض افرادي لرسوماته في المملكة العربية السعودية في مؤسسة Simthsonian الإستثنائية في واشنطن العاصمة.

وبينما كانت رسوماته ترتحل متنقلة في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية، اشترك مع ابنه في تأليف كتاب عن منطقة جنوب غرب المملكة العربية السعودية بعنوان “عسير : التراث والحضارة” وطبع في عام 1988.

في عام 1991ن ثمّنت الحكومة الفرنسية ابداعاته بمنحه وسام الآداب والفنون من رتبة فارس Chevalier des Artis et des letters وبعد عشرين عام من البحث فإن كتابه الثالث “تراث المملكة العربية السعودية” قدطبع في عام 1991. والكتاب هو أيضاً بمشاركة ابنه مخلص الحريري، ويتضمن 332 رسماً ملوناً أخّاذاً مع نصوص تم البحث فيها بعناية. وقد تم تقريظ الكتاب عالمياً على نطاق واسع من قبل الأكاديميين واستقبلته الصحافة بشكل حسن ووزع في جميع بلاد العالم.

وبالرغم من إجرائه لعمليتين جراحيتين سببّهما مرض السرطان، وخضوعه للعلاج الكيماوي لفترة طويلة في العاصمة واشنطن، فإن وهبي الحريري ظل مدفوعاً حتى لحظاته الأخيرة بعطش شديد نحو”المعرفة والجمال”. إن التزامه الروحي وإرادته الصلبة مقترناً بدعم الأمير سلمان بن عبد العزيز حاكم مدينة الرياض، والتشجيع الجاد من أصحاب المقام الرفيع من مختلف بلاد العالم قد حثه على السفر والتنقل من أسبانيا حتى الولايات البعيدة في أقاصي الصين باحثاً عن أكثر المساجد الأثرية روعة في العالم ليرسمها.

وبالعمل مع ابنه مخلص الحريري أنجز ما يزيد عن أربعين رسماً شكلت معرضاً متنقلاً، إضافة إلى كتاب موجه لجامعي اللوحات المرسومة باليد وهو بعنوان “الصروح الروحية للإسلام”. ومع أن الرسوم قد أنجزت في ظروف صعبة للغاية نتيجة المرض، فإنها تجسد آخر التطورات في طرازه الفريد للرسم الكلاسيكي إضافة إلى التزامه الروحي.

وبعد رحيله وهو في الثمانين من العمر، عثر على عدد كبير من رسوماته المبكرة الرائعة ومنها رسومات زيتية وأخرى بالألوان المائية، وبعضها يرجع إلى عام 1935 وهي الآن في مرحلة التوثيق تمهيداً للنشر.

النص مترجم عن منعاةٍ وزعتها أسرته عند وفاته.