|
إذا كان لحلب أن تفخر بما صدر عنها من أمهات الكتب خلال القرن الفائت , فلابد من أن يكون في عداد تلك الكتب اسمان هامان . الأول هو "موسوعة حلب المقارنة " لخير الدين الأسدي التي طبع منها سبعة أجزاء والثاني " نهر الذهب في تاريخ حلب " للشيخ كامل الغزي , و قد طبع منه أجزاء ثلاث . و لكن الغريب أن لكل من الكتابين جزء مفقود .
حيث يذكر الأسدي في المقدمة البديعة التي وضعها لموسوعته ما نصه " لكن مباذلها و سفه القول فيها نحيته عنها و أدرجته – كما تريد الأمانة – في ذيل فوات موسوعة حلب , حرصا مني أن يقرأ الطلاب و النساء موسوعتي دون أن يجرح ذوقهم الخلقي الوقور المحتشم المترفع عن بذيء القول ... ".
و لم يظهر " فوات الموسوعة " ضمن الأوراق التي حققها الأستاذ محمد كمال و نشرها معهد التراث العلمي العربي , و باءت بالفشل كل المحاولات لمعرفة مصيره , و أغلب الظن أن هذا الجزء من الموسوعة قد أخفي أو أتلف ممن ارتأى أن نشره يسيء إلى الصورة الزاهية لمدينة حلب .
نفهم من مقدمة الأسدي أنه قد سجل في الجزء المفقود من موسوعته ما كان يتداو له أهل حلب أو بعضهم من ألفاظ و مأثورات نابية , و يقدم الأسدي في تناوله للموضوع نموذجاً على إحساسه المزدوج بالمسؤولية , تجاه مجتمعه و تجاه الأمانة العلمية , فقد كان وفياً لمجتمعه حين فصل تلك المأثورات عن موسوعته الضخمة و وفياً في نفس الوقت للأمانة العلمية التي تطلب ممن يتصدى لتوثيق التراث الشفاهي ألا يستثني منه شيئا وإن سف و ابتذل .
أي أن الأسدي كان يرى أن توثيق المأثورات العامية ليس فعلاً انتقائياً , فالمادة الموثقة هي مادة خام يهتم بها علماء النفس و الاجتماع و اللغة و يفيدون من دراستها إفادة كبيرة , و أي اجتزاء لهذه المادة يجردها من قدرتها الدلالية و بالتالي من قيمتها العلمية .
و تأكيداً لنظرة الأسدي أقول إن من يتوهم أن توثيق هذه المأثورات و إتاحتها للباحثين قد يؤدي إلى تشجيع استخدامها هو على خطأ , و يكفيه برهاناً على ذلك ملاحظة أن تداول هذه المأثورات بل و تطويرها يتم في أكثر الأوساط الحلبية جهلاً و أدناها على كل مستوى , و هي أوساط لم تتعلمها من كتاب و إنما تقوم بتردادها كرد فعل على ظروفها الاجتماعية و الاقتصادية و العلمية .
أما الشيخ كامل الغزي فقد ذكر في نهاية الجزء الثالث عبارة " انتهى الجزء الثالث من كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب و يليه الجزء الرابع ... " و قد أشار الغزي إلى الجزء الرابع مراراً في الأجزاء الثلاثة الأولى المطبوعة من كتابه باسم " التراجم و السير " حيث قال أنه سيذكر فيه أعلام حلب و سير الأسر العظام فيها متقصياً تاريخها و أحوالها . و قد كان الغزي مرجعاً لا سبيل إلى الشك في معلوماته عن تاريخ الأسر الحلبية لأنه كان مطلعاً بحكم عمله رئيساً لديوان المحكمة الشرعية في حلب على دفاتر المحكمة التي تعود إلى أكثر من ثلاثمائة عام في حينه , و تحتوي على تفاصيل العلائق الاقتصادية و الاجتماعية الحلبية .
و قد رحل الغزي دون أن ينشر ذلك الجزء و تبعثرت مكتبته دون أن يظهر الجزء المفقود . و الأغلب أن الغزي قد تحرج من نشره في حياته خشية أن يثير حفيظة بعض من تناول ذويهم بالترجمة بذكر ما لا يرغبون في معرفة الناسبه . و إلا فلم يكن ثمة سبب معقول أخر يمنع الغزي من نشره و هو الذي حرص أن يذكر في كتابه غير مرة أن كتابه غير منقول و لا مسبوق و أنه يريد أن يوصل حقائق جديدة إلى الناس عوضاً عن تكرار ما كتبه الأسلاف .
و ما لم يستطع الغزي نشره قامت به فيما بعد باحثة غربية هي مارغريت ميري وذر في كتابها الذي ترجم إلى العربية بعنوان " القرابة الحقة " و فيه اعتمدت على دفاتر المحكمة الشرعية إياها وقامت بدراسة معمقة للعلاقات الأسرية الحلبية , بل و رسمت أشجار نسب لبعض عائلاتها .و لم ير أحد في ذلك بأسا بل رأوا فيه منتهى العلمية و الموضوعية . ولو أن الغزي فعلها لما نجا من ألسنة القوم و اعتراضاتهم .
لقد عبر تحرج الأسدي من تضمين موسوعته ذلك الجزء المسف من المأثورات الحلبية كما عبر من قبله امتناع الغزي عن نشر الجزء الرابع من نهر ذهبه عن وجود رقابة ذاتية قاسية هي إنعكاس لرقابة اجتماعية عميقة الجذور . تلك الرقابة تنطلق من رغبة المجتمع بالاحتفاظ بشعوره بالأمان الذي قد يكدره التطرق إلى مواضيع محرجة أو الخوض في بحث أمور مثيرة للجدل و الخلاف على مبدأ " الباب الذي تأتيك منه الريح , سده و استرح " .
في حين أن العالم الذي أصبح قرية صغيرة يبحث في أحوالنا و شؤوننا الاجتماعية و الاقتصادية بكل جرأة وتوسع. وصرنا نقرأ عن أنفسنا في كتب ملونة بأهواء أصحابها ومصالحهم وأصبحنا نتبنى نظرة الآخرين إلينا باعتبارها صادرة عن خواجات لا يرقى الشك إلى أحكامهم،في ظل غياب شبه كامل للأبحاث المحلية في تلك المجالات ، فالباحثون الوطنيون لا يكتبون أو ينشرون للسبب نفسه الذي دعا الأسدي و الغزي إلى إخفاء كتابيهما.
إن استمرار اختفاء الجزأين , و عدم العناية الجادة بالبحث عنهما يدل على أننا لم نصل بعد إلى أن يكون للحقيقة في حياتنا المقام الأول مهما كانت جارحة . و لعلنا نصل . |